ابن الجوزي

145

المنتظم في تاريخ الأمم والملوك

عليه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : * ( سَمِيعٌ عَلِيمٌ 2 : 181 ) * ، فيكتب * ( « عَلِيمٌ حَكِيمٌ » 4 : 26 ) * . فيقرأه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ويقره ، فافتتن عبد الله بن سعد ، وقال : ما يدري محمد ما يقول ، إني لأكتب له ما شئت ، هذا الَّذي يوحى إليّ كما يوحى إلى محمد . وخرج هاربا من المدينة إلى مكة مرتدا ، فأهدر رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم دمه يوم الفتح ، فجاء إلى عثمان بن عفان - وكان أخاه من الرضاعة - فقال : يا أخي إني والله اخترتك على غيرك فاحبسني هاهنا ، واذهب إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فكلمه في ، فإن محمدا إن رآني ضرب الَّذي فيه عيناي ، فإن جرمي أعظم الجرم ، وقد جئت تائبا ، فقال عثمان : بل اذهب معي ، فقال : والله / لئن 58 / ب رآني ليضربن عنقي فقد أهدر دمي وأصحابه يطلبونني في كل موضع ، فقال عثمان : انطلق معي فلا يقتلنك إن شاء الله ، فلم يرع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إلا بعثمان آخذا بيد عبد الله ابن أبي سرح واقفين بين يديه ، فأقبل عثمان على النبي صلَّى الله عليه وسلَّم ، فقال : يا رسول الله ، إن أمه كانت تحملني وتمشيه ، وترضعني وتفطمه ، وكانت تلطفني [ 1 ] وتتركه فهبه لي ، فاعرض عنه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وجعل عثمان كلما أعرض عنه النبي صلَّى الله عليه وسلَّم بوجهه استقبله فيعيد عليه هذا الكلام ، وإنما أعرض النبي صلَّى الله عليه وسلَّم إرادة أن يقوم رجل فيضرب عنقه لأنه لم يؤمنه . فلما رأى ألا يقوم أحد وعثمان قد أكب على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقبل رأسه وهو يقول : يا رسول الله تبايعه فداك أبي وأمي ، فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : « نعم » ، ثم التفت إلى أصحابه فقال : « ما منعكم أن يقوم رجل منكم إلى هذا الكلب فيقتله » - أو قال : الفاسق - فقال عباد بن بشر : ألا أومأت إليّ يا رسول الله ، فو الَّذي بعثك بالحق إني لأتبع طرفك من كل ناحية رجاء أن تشير إلي فأضرب عنقه - ويقال : قاله أبو اليسر ، ويقال : عمر بن الخطاب ، ولعلهم قالوا جميعا - فقال النبي صلَّى الله عليه وسلَّم : « إني لا أقتل بالإشارة » . وقال قائل : إن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم قال يومئذ : « إن النبي لا تكون له خائنة الأعين » فبايعه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم على الإسلام ، وجعل عبد الله بعد ذلك كلما رأى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يفر منه ، فقال عثمان : يا رسول الله ، نراه يفر منك كلما رآك ، فتبسم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وقال : « أو لم أبايعه وأؤمنه » قال : بلى ولكنه يتذكر عظم جرمه ، فقال النبي صلَّى الله عليه وسلَّم : « الإسلام يجبّ ما قبله » فرجع عثمان إلى عبد الله بن سعد فأخبره فكان / بعد ذلك يأتي فيسلم على 59 / أرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم مع الناس .

--> [ 1 ] في الأصل : « تطلقني » .